سوداء وأفتخر

بقلم: مصطفى فتحي

تمسك “فاطمة” بفنجان القهوة بطريقة مميزة، تتشبع أصابعها بسخونته.. كان موعدي معها في أحد مقاهي وسط القاهرة، بالقرب من ميدان التحرير الذي انطلقت منه ثورة يناير.. أخبرتني أنها تواجه يومياً عشرات المواقف العنصرية في شوارع مصر، ما بين تحرش عنصري، وأسئلة مكررة عن جنسيتها، وشتائم لا تخلو من تمييز.. والسبب دائماً هو لون بشرتها.

بينما تتناول فاطمة قهوتها، كنت مشغولا بتفسير هذه النظرات التي ترمقنا من المجاورين، ولاحظت فاطمة دهشتي، بذكاء تضحك قبل أن تفصح لي عن كنه هذه النظرات” سأخبرك معنى هذه النظرات، بالنسبة لهم أنا قادمة من عالم آخر، لست مصرية مثلهم، لا يتخيلون أن هناك مصريا أسود اللون”.

تقولها فاطمة بعفوية وتلقائية” نعم أنا سوداء” تشعر أن مجرد التهرب من وصف لون بشرتها خيانة، وأن اللجوء إلى وصف آخر من قبيل” سمراء اللون” تغطية على مشكلة تؤرقها في مجتمع ذي أغلبية بيضاء أو قمحية اللون، باستخدامها هذا الوصف البديل ترسخ الإحساس بالإهانة والإذلال، تؤكّد على الكلمة أكثر من مرة، تنطقها ممطوطة وممدودة، تنطق كل حرف باستقلالية تستشعر معه مدى شعورها بالثقة والاعتداد بالذات” أنا مصريّة ســوداء”.

تفاجئني بتوجيه السؤال لي مباشرة ” هل تشعر بالإهانة عندما أقول إنك أبيض اللون؟؟!! وقبل أن أجيب، تعقّب فاطمة: لماذا نعتبر كلمة سوداء اللون إذا إهانة؟؟

فاطمة صحافية مستقلة، تكتب عن الحريات وتحاول من خلال كتاباتها أن تنشر قيم حقوق الإنسان الغائبة عن مجتمعها على حد تعبيرها، جئت لأعطي لصوتها المختنق المحبوس الخافت مساحة للتعبير عن نفسه.

هل تعرف أن هناك إحصائية لموقع “خريطة التحرش الجنسي” كشفت أن 99.3 % من النساء المصريات تعرضن للتحرش بعدة أشكال” وبضحكة كلها سخرية واستهزاء تضيف”دعني أخبرك أنني أصبحت الآن حين أخرج من بيتي أضع في أذني سماعات الهيدفون وأسمع الموسيقى حتى لا أسمع التعليقات السخيفة التي تحمل عبارات عنصرية “انتي سودة بس حلوة” .. “أموت في بنات السودان” وقد تصل إلى حد “أتمنى أن أضاجع فتاة سوداء اللون لانهن ساخنات جداً”.

تقول فاطمة: “الجمل الجارحة لا تتوقف أبداً في الدقيقة الواحدة أسمع أكثر من جملة، أسمع كثيراً جملة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” حين أدخل أي مكان، وكأنني شيطان رجيم لمجرد أنني سوداء، من حقي أن أسير في الشارع دون أن أسمع هذه العبارات وهذا التحرش العنصري، من حقي ألا يتعامل معي الشارع كأني كائن فضائي ولست مصرية، لا يعلمون حجم الجرح الذي أشعر به مما يفعلون”.

شابة في العشرينات تقاطع حديثنا، وتعطينا استمارة مطبوعة وتبرز كلمة بالفنط الأسود العريض”تمرد” تدعو لجمع توقيعات لحجب الثقة عن الرئيس محمد مرسي والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، أفهم محتواها والتقطها، تتدخل فاطمة وتطلب منها ورقة، تتردد الشابة قليلا، تفاجئها فاطمة: والله العظيم أنا مصرية، تتشاغل بملأ الاستمارة مبرزة بطاقة الرقم القومي الخاصة بها، تتعمد إشهارها في وجوهنا، وتتعمد كتابة بياناتها بخط واضح كبير، بل وتضيف عنوانها،” أسكن عين شمس، نعم عين شمس، وليس كومبوند خاص بالسود”.

ترتشف فاطمة رشفة أخرى مصحوبة بكحة خفيفة كأنها تسلّك صوتها، “منذ 7 سنوات تقريبا “كنت وقتها في الكلية أدرس علوم الكمبوتر، حين اكتشفت أنني أحب الإعلام وأريد أن أكون مذيعة تليفزيونية، أخذت أبحث عن فرصة تدريب في إحدى القنوات، لكن الجميع رفض أن يأخذ مبادرة تعيين أول مذيعة سوداء في مصر، كلهم رفضوا، كلهم تعاملوا مع حلمي في أن أكون مذيعة بعنصرية، أحدهم قال لي أن أهم شروط المذيعة هو المظهر، وكوني سوداء يجعل هذا الشرط غير متوفر في، هل تتخيل مشاعري وقتها؟”.

قارب فنجان القهوة على الانتهاء، تواصل فاطمة حكيها: “في يوم واجهت موقفا في المترو، سيدة قالت لي “أهلا بك في مصر”، ابتسمت وقلت لها “أنا مصرية بالفعل”، تعجبت وقالت بتليقائية “أول مرة أعرف أن مصر فيها سودا، قالت الجملة بصراحة وتلقائية.. أنا تعودت على ذلك ولم أعد أستغربه، الجهل والفقر ونظام التعليم المتخلف، جعل نسبة ليست قليلة من المجتمع غير مدركة للتركيبة السكانية لمصر، لا ترى أن الخريطة الجغرافية لمصر مليئة بالتفاصيل والثقافات والأعراق”.

تضع فاطمة الفنجان جانبا، وتقترب مني برأسها وكأنها ستفضي إليّ بسرّ” سأحكي لك موقفا حصل في مارس 2013 اتصلت بي إحدى منظمات المجتمع المدني المصرية، طلبوا مني أن أتحدث عن العنصرية في المجتمع، بعد انتهاء الندوة قالت لي موظفة المنظمة المسئولة عن تنظيم الندوة أنها لم تكن تعلم أن مصر بها مواطنين لهم هذه البشرة السوداء، وكانت تظنهم قادمين من السودان، شعرت بألم شديد، كيف تعمل هذه السيدة في منظمة مجتمع مدني معنية بنشر قيم حقوق الانسان والمساواة ولا تعلم أن هناك مواطنين مصريين بشرتهم سوداء، أي عار هذا”.

خبرة فاطمة مع الشارع جعلتها قادرة على التفرقة بين من ينظر لها بتعجب نتيجة الجهل وعدم فهم أن مصر بلد مليئة بالاختلاف، وبين من ينظر لها نظرة عنصرية لأنها سوداء، وهذا الاخير تتعامل معه فاطمة بحزم يصل لحد العنف، وتفسر ذلك بأنها تدافع عن نفسها، وحتى يفكر ألف مرة في المرات القادمة قبل أن يهين أي إنسان، وأخيراً حتى يفهم أنني مصرية ولست قادمة من أدغال أفريقيا وأنه جاهل ويجب أن يتحمل نتيجة جهله”.

تؤمن فاطمة أنه يجب أن يكون لها دور في تغيير الصورة النمطية السائدة عن ذوي البشرة السوداء في مصر، تفعل ذلك بإيمان حقيقي، “أعرف أن نسبة كبيرة من المنظمات الحقوقية المصرية بها فساد كبير، ويعملون فقط من أجل الحصول على تمويلات وليس بسبب الإيمان بقيم حقوق الإنسان، لذلك قررت أن أكون ناشطة حقوقية مستقلة، بعيدة عن فساد المنظمات، أعمل بمجهود فردي للمساهمة في التغيير، كل كتاباتي تهدف لنشر فكرة تقبل الآخر واحترام حقوق الإنسان في المجتمع”.

يقاطعنا أحد أطفال الشوارع عارضا علينا شراء كيس منديل، تستوعبه فاطمة بعينيها وتداعبه بابتسامة، ما زالت عيناها معلقتين بالطفل حتى بعد مغادرته، تهز رأسها وكأنها تؤكد لي أنها ما زالت معي وما زال لديها ما تقوله ” الأطفال، حتى الأطفال،أثناء سيري في الشارع، طفل صغير لا يتعدى عمره العشر سنوات، شتمني و قال لي “يا سوداء يا منكوشة”، كان أهل الطفل معه، لم يتخذوا أي رد فعل تجاه تصرف طفلهم، قلت لهم “ربوا طفلكم على احترام الناس” أم الطفل ضربتني وتعدى علي ثلاث نساء أخريات، لم يتدخل المارة سوى بعد شعورهم أني قد أموت، ولأن الطفل الصغير الذي شتمني أحضر مقصا واقترب مني ربما أرادوا ان يقصوا لي شعري، ذهبت إلى القسم وقمت بعمل محضر”.

لم تغادرني فاطمة، قبل أن تفضي لي بأغنيتها المفضلة، والتي رحت أرددها بيني وبين نفسي، وأنا أراها تمضي بثقة واضعة الهيدفون في أذنها…”لا يهمني اسمك.. لا يهمني عنوانك.. لا يهمني لونك ولا ميلادك.. يهمني الإنسان ولو مالوش عنوان”.

وأنا أشرع في كتابة هذه القصة تتردد كلماتها المتفائلة ممزوجة بصخب القاهرة الذي لا ينقطع، ومع نسمة ربيعية أستعيد جملة فاطمة الأخيرة قبل أن أتركها ” الأمل في بكرة”.

Advertisements

About mostafathi

مصطفى فتحي صحفي مصري مهتم بمجال الإعلام الجديد وصحافة المواطن

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: